محمد حسين الذهبي

357

التفسير والمفسرون

التفسير الإشارى في الميزان قلنا : إن القرآن له ظهر وبطن وذكرنا لك أهم الأقوال في معنى الظاهر والباطن . ومهما يكن من شئ فإن ظاهر القرآن - وهو المنزل بلسان عربى مبين - هو المفهوم العربي المجرد . وباطنه هو مراد اللّه تعالى وغرضه الذي يقصد إليه من وراء الألفاظ والتراكيب . هذا هو خير ما يقال في معنى الظاهر والباطن . وعلى ذلك نقول : إن كل ما كان من المعاني العربية التي لا ينبنى فهم القرآن إلا عليها داخل تحت الظاهر ، فالمسائل البيانية ، والمنازع البلاغية ، لا معدل لها عن ظاهر القرآن ، فإذا فهم الإنسان مثلا الفرق بين ضيق في قوله تعالى في الآية ( 125 ) من سورة الأنعام « فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ » وبين ضائق في قوله تعالى في الآية ( 12 ) من سورة هود « فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ » وعرف أن ( ضيق ) صفة مشبهة دالة على الثبوت والدوام في حق من يرد اللّه أن يضله ، وأن ( ضائق ) اسم فاعل يدل على الحدوث والتجدد وأنه أمر عارض له صلى اللّه عليه وسلم . إذا فهم الإنسان مثل هذا فقد حصل له فهم ظاهر القرآن . إذا فلا يشترط في فهم ظاهر القرآن زيادة على الجريان على اللسان العربي ، وإذا كل معنى مستنبط من القرآن غير جار على اللسان العربي فليس من تفسير القرآن في شئ . . لا مما يستفاد منه ولا مما يستفاد به . ومن ادعى فيه ذلك فهو مبطل في دعواه . أما المعنى الباطن ، فلا يكفى فيه الجريان على اللسان العربي وحده . بل لا بد فيه مع ذلك من نور يقذفه اللّه تعالى في قلب الإنسان يصير به نافذ البصيرة سليم التفكير ، ومعنى هذا أن التفسير الباطن ليس أمرا خارجا عن مدلول اللفظ القرآني ، ولهذا اشترطوا لصحة المعنى الباطن شرطين أساسيين :